حفريات المعرفة المطلوبة

كتاب "نبي من بلاد السودان" حفريات المعرفة المطلوبة

محمد امين ابوالعواتك
 نذكر دائما ان التقاطعات والخلاف في الدين والسياسه والتاريخ وتجددها كل مرة عالميا او اقليميا او محليا ياتي من مصدر صراع اوحد هو...المعرفة..فالصراع علي المعرفة هو صراع علي القوة..وبالتالي التحكم فيها وهذه هي المعركة الحضارية الكونيه الكبري التي تدير كل المعارك الاخري الصغري وتشهد علي الدوام اكبر عمليات تضليل عرفتها البشرية قديما وحديثا في مختلف العلوم والمعارف بما يضمن التحكم في كل شئ ويمكن ملاحظة ان امم في عالمنا المعاصر لم تحرك قوة مادية بل فقط امتلكت شكلا من (المعرفة) مجرد الامتلاك مكنها من بعض الاستحقاقات !!

عندما اصدر الشيخ النيل عبد القادر ابوقرون كتابه القيم ( نبي من بلاد السودان ) في العام 2011 وكاني به قد استبصر مقبل الاحداث وهو مايشغل الساحه الان محليا واقليميا ودوليا والذي ذكر فيه معلومات تاريخية (جديدة) عن تاريخ السودان القديم وكان من ضمن ماسطر معلومة تمثل حدثا في غاية الاهمية وهي هيمنة كوش على مصر والسودان فيما يعرف بعصر الانتقال الثاني بمصر 1786ق.م.-1567ق.م.- الاسرات13-17 والتي فيها لم يسبق لاي باحث في التاريخ القديم لوادي النيل ان ذكر أو توصل لمثل هذه المعلومة فقد ساد الاعتقاد بأن الهيمنة الكوشية لبلاد مصر كانت فقط في القرن الثامن ق.م متمثلا في الاسرة الخامسة والعشريين التي حكمت مصر لاكثر من القرن تقريبا , أما قبل ذلك وفيما يعرف بعصر الانتقال الثاني فترة هيمنة الهكسوس على منطقة الدلتا بمصر فيأتي فيها ذكر كوش بمثابة المهدد لامن جنوب مصر حيث لم يتعدا الحدود الجنوبية لاسوان , اذا ما ذكره الشيخ النيل ابوقرون في كتابه المذكور اعلاه معلومة جديدة وهي هيمنة كوش على مصر في هذه الفترة التاريخية. وبدأت الارهاصات التي تؤكد ما ذهب اليه الشيخ ابوقرون من المختصين في الظهور من علماء اخرين لهم وزن ودرجة عاليه من الثقه امثال عالم الآثار البريطاني فيفيان ديفيذ المتخصص في علم المصريات الذي نشر مقالا علميا في مجلة Sudan & Nubia .
وحفريات الشيخ النيل ابوقرون في منتجها (نبي من بلاد السودان) تجد فيها الاستدلال القرآني والقراءة الزمانية والمكانية في بلاد السودان الجغرافية الحالية اوفق واكمل من كل ما تم تقديمه من تفاسير تحكى ترابط قصة سيدنا موسى عليه السلام ورحلته ودلالاتها مولدا وهجرة وعودة الي الوطن ولقاء الخضر عليه السلام وتستمر فصول المبحث في سلاسة بحثية لتشمل مقابلة فرعون ثم مناظرة السحرة ومؤمن ال فرعون وعبور البحر وبعد العبور ، وانتباهة الفصل الاول للكتاب عن مملكة كوش والتي استهلها بالتاريخ الفرعوني الذي يتكون من ثلاثين اسرة حكمت مصر (من 3100 ق م ، الي 341 ق م) والتي فيها اجناسا اجنبيه عديدة من بينهم الهكسوس والليبيون والكوشيين والفرس والرومان والبطالمة والاغريق ، كما ان لقب فرعون لايعني انه مصري الاصول انما هو لقب شاع مع الاسم الشخصي لكل ملك حكم مصر في التاريخ المصري القديم، مثلما شاع لقب قيصر علي كل حاكم اعلي للرومان والبيزنطيين.
واورد كتاب "نبي من بلاد السودان" كذلك ادلة اخري عديدة (كنص بوهين) وهو اقدم نقش تم العثور عليه وذكرت فيه بلاد كوش الي العام الثامن عشر من حكم الملك سنوسرت الاول والذي حكم مصر (1971-1921 ق م)ويوجد في نص اخر للملك نفسه ذكر لاسم كوش مرتين في جزيرة فيلة وفي نصوص اللعنة في المملكة المصرية الوسطي ،وفي الدولة الحديثة في معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري وغيرها من المصادر الاثرية الاخري.اما في الكتاب المقدس-العهد القديم- فقد تم ذكرها في "اخبار الايام الثاني 14" حيث ذكر فيه سيطرة الكوشيين علي منطقة تسمي جرار جنوب فلسطين ، وكذلك في "سفر الملوك الاول 14:5" ، "اخبار الايام الثاني 12:2"، "الملوك الثاني 23:9: ، "اخبار الايام الثاني 35:2" ، "ارميا 46" وقد كان احتلال الكوشيين لمدينة جرار تلك في عهد الملك اسا ملك يهوذا والذي توفي قبل ظهور اسرة الفراعنة الخامسة والعشرين بمصر بحوالي قرن ونصف القرن،وكما هو معلوم بان الكوشيون في نبتة هم المؤسسون للاسرة الفرعونية الخامسة والعشرين التي حكمت مصر كما ذكرنا انفا.
الاهتمام الكبير المستحق بالموضوع وبحضارة السودان محليا واقليميا ودوليا ليس هو وليد الصدفة وانما هو نتاج لعمل (حفريات معرفية) ككتاب نبي من بلاد السودان وقديما ما تحدث عنه بروفسور عبد الله الطيب في محاضرته المشهورة عن الثقافة السودانية والعديد من علماء بلادي الذين نفاخر بهم جميعا ، او ايضا نتاج لجهود اثرية كالاكتشافات الاثرية العلمية الاخيرة ، واهتمام (سلطة المعرفة) بالامر يعكسه اهتمام كبريات قنوات الاعلام العالميه كقناة الجزيرة او سكاي نيوز ومابثته محطة (سي ان ان) الامريكية قبل ايام عن ان السودان هو العاصمة الدينية لفرعون موسي ليس دقيقا بمافيه الكفاية رغم اتفاق التقرير مع كتاب (نبي من بلاد السودان ) في ان جبل البركل هو الجبل المقدس والتقديس كما يقول الشيخ النيل ابوقرون نابع من اقامة الاله امون رع فيه وصار اسمه الجبل المبارك او جبل البركة او الطاهر وهي مكانة اكتسبها من تاريخ اقدم من ظهور موسي عليه السلام فقد ذكر في التوراة في سفر (الخروج 3:2) اسم الجبل (حريب) وحسب اللغه المصريه القديمة التي كانت مستعملة في نبتة يقال للجبل المبارك (Imn Rc hr ib wcb ) وتنطق الصيغة كالاتي (امون رع حريب وعب جو ) ومعناها (الاله امون المقيم في الجبل المقدس) وهي اهم منطقة مقدسة للكوشيين والمصريين علي السواء وقد تكون كلمة البركل محرفة عن البركة ، كما اثبت الابحاث ان سيناء لايوجد فيها جبل بهذا الاسم كما لم يذكر القران تقديسا لجبل بل ذكر واديا مقدسا وتكليم الله لموسي عليه السلام كان من شاطئ الوادي الايمن ولايوجد شاطئ في سيناء والصياغ يدل علي ان الجبل بقرب الشاطئ ، وعدم الدقة في تقرير (سي ان ان ) هو اعادة التكرار لماهو سائد الان ومرجح بان رمسيس الثاني هو فرعون موسي وتصحيح الشيخ النيل ابوقرون لذلك في كتابه القيم في ان ما ظنه البعض في بعض الفراعنه الذين سبقوا تهرقا ان احدهم هو فرعون موسي لاتؤيده القرائن حيث ذكر القران الكريم (...ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وماكانوا يعرشون) فلم يحدث بعد حكم اي منهم خراب او دمار بل علي العكس تماما فقد ظلت اثارهم باقية ومنها اثار رمسيس الثاني حتي اليوم وهي من اهم الاثار في معبد ابوسمبل الذي لم يهدد الا في العصر الحديث عند بناء السد العالي وتم نقله بسائر عناصره المعمارية بينما اصاب اثار تهرقا دمار وخراب شديد بواسطة الملك بسماتيك الثاني احد ملوك الاسرة 26 (591 ق م).
ان الحفريات المعرفية والربط المحكم لايات القران بجغرافيا المكان مع الادلة الاثرية الاخري عن فرعون موسي ومكان الغرق والدمار الذي تم كما ذكر القران الكريم والطور والبركل والوادي المقدس والهبوط وغيرها من الاحداث وهي من المساهمات البحثية القيمة التي قام بها الشيخ النيل ابوقرون وان مثل هذا المنهج البحثي في كل العلوم هو المطلب الاكثر الحاحا والذي ينبغي ان توفر له الاجواء والامكانيات والمعينات المثلي والاحتفاء اللازم، وقد اتيح لي ان اضطلع علي خطاب الشكر الذي وجهته المكتبة الوطنية بجمهورية السودان للشيخ النيل ابوقرون بمناسبة ايداعه لديها نسخ من كتاب (نبي من بلاد السودان" ، فطريق البحث وحفريات المعرفة هو الطريق الوحيد الامثل لاعادة الارتباط مع الاصول ومع حضارة اهل السودان وكل المنطقة التي انقطع الوصل بها وممسكاتها الحضارية ردحا من الزمان.