المنهج

 منهج الشيخ النيّل ابوقرون

تمهيد

يقول الشيخ النيّل أبوقرون مبيناً لعقل وقلب من يريد الإطلاع على هذا المنهج الفريد في معرفة الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله معرفة تُدخل محبته في قلبه فيكون بها من المؤمنين، وتُورثه تصديقه وتوقيره وفهم رسالته، فَيُسَلِّم له صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله كامل التسليم، فيَسْلَم من الوقوع في الجناب العظيم، فيحسن خلقه ويفوز بمعيته في الدنيا وفي دار النعيم - :
"أحبابي: إن من يقرأ رسائلي هذه بحكم مسبق، أو تعصّب ديني مبني على عاطفة، أتت من مجرد سماع كلام عن الدين في المجتمع، أو نمت على قراءات دينية من مصادر ليست هي مراجع في الموضوع، أو حتى تلك العاطفة الدينية التي بنيت على دراسة من مراجع دينية صحيحة. أقول إن من يقرأ هذه الرسائل مصطحباً تلك العاطفة، فقد حرم نفسه وأخرجها عن دائرة اسلوب البحث عند العلماء. إذ العلم يقتضي التجرد عن العاطفة لأنّ بابه العقل، والإنسان عدو ما جهل. فغير العاقل يبادر بإظهار العداوة وإستعمال الأسلحة المضادة لما جهل. والعاقل يتخذ التدابير التي يعرف بها هذا المجهول حتى لا تبقى له عداوة فيه. فلا تجعل عداوتك للمجهول هذه سببا لحرمانك من المعرفة، وذلك بإحسان كيفية التعامل مع هذا الذي تجهل، بأن تدفع بالتي هي أحسن، وقد تكون هنا هي حسن الظن. وهذا كاف لمن يقرأ هذه الرسائل بتدبّر. واضعاً نصب عينيه الموت وما يسأل عنه في آخرته. وصحة الإعتقاد في النبيّ صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله ومحبته هي الأساس والسلامة في الآخرة، وتصديقه وتوقيره سبب النجاة يوم القيامة. وهي المحور الذي تدور عليه هذه الرسائل فمن أقبل عليها بعقله غنم، ومن قرأها متأثرا بعاطفته الدينية المسبقة ندم، ومن أحسن الظن فقد سلم.

بشريّة الرسول


الرسول صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، بشر لا كالبشر كما يتبادر إلى ذهن العوام من فَهمٍ لقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) ، فهي بشريّة من نوع خاص، لذلك جُعِلت أسوة حسنة ولولا خصوصيّتها لَما احتاجت إلى تعريفٍ بها، ولا يكون التعريف إلا حين حدوث الجهل بالمعنى، أو الشكّ في هويّته، أو قصور المعرفة عن إدراك ذاته. فقصرت عقول من عاصروه عن معرفته، واحتاروا وحدث لهم شكٌّ في بشريَّته لسُموِّها وعُلوِّها ومُثُلِها وصفاتها التي لا تدركها العقول القاصرة. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين به بالتدثُّر بالتقوى كي يتأهّلوا للإيمان برسوله الكريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ...) ليتضاعف لهم الأجر وتزداد عليهم الأنوار، وتنزل عليهم سحائب الغفران بعد مضاعفة الرحمة (...يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وكذلك يتضاعف الأجر لمن يقنت لرسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله إذا قنت لله.. قال تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ).
ولقد جعل الله تعالى لنبيه نِعَماً خاصةً به بجانب نعمه تعالى حيث قال: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)، وجعل له فضلاً يُغْنِي به مع الله - مع عدم التفرقة بين الله ورسوله لأنه قد جعل رميهُ رميه وطاعتهُ طاعته وبيعتهُ بيعته - قال تعالى: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ). وقال تعالى في عدم التفرقة بين الله ورسوله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا). وسمح له في كلّ ما يفعل مسبقاً من قبل أن يأتيه وحي في أيّ أمر من الأمور قال تعالى: (لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). فالذي فعله الصحابة في أسْرِهِم بعض المشركين بدلاً من قتلهم وفي أخْذِهِم الغنائم عاتبهم عليه الله سبحانه وتعالى، والرسول صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله لم يأخذ بما كان قبله مِن تشريع مَن سبقه من الأنبياء. فأحلّ لهم أخذ الغنائم. فجاء التوضيح الإلهي أنّ هناك كتاباً سَبَق من الله ألا يمسّ النبي فيما يفعل شيءٌ مما كان يمكن حدوثه لغيره في الأمم السابقة إذا فعلوه، فبالنسبة للنبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله قد سبق كتابٌ بالعفو المسبق لما يفعل، ليشمل العفو أصحابه الذين أخذوا الغنائم وأسروا.
فالنبي، صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، بشر لا كالبشر، فهو يرى مِن خلفِهِ كما يرى مِن أمامِه، وتنام عينُه ولا ينام قلبُه، ولا يَتبَعه فَيء، ويُخاطِبُه الضَّب ويشهدُ له بالرسالة، ويسجد له البعير، ويُسلِّم عليه الحجر، وتأتيه الأشجار تشقُّ الأرض شقّاً، وينشقُّ له القمر، وتُمطِر السماء بدعوته، ولا تُمسِك إلا بدعائه، ويبكي الجذع لفراقه. ويعيد عين قتادة المفقوءة المخلوعة إلى موضعها، مُبصرةً كحلاء أحسن مما كانت عليه، وتتوارث ذرّيّته جمال تلك العين، وهو من عَلِيٍّ وعَلِيٌّ منه "أنت مني وأنا منك" لأنه كان له بمنزلة هارون من موسى اللذين كانا رسولين شريكين في رسالة واحدة "ألا يرضيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" وجاء التنزيل من الله (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ) فأثبت له البشريّة، كما أثبت بذلك قصور العقول لإدراك هذه البشريّة التي احتاجت إلى التعريف بها لِما لها من صفاتٍ جَلَبَت الشكّ لِتِلك العقول القاصرة عن إدراكها، فبقِيَت الذّات الشريفة متميِّزةً على الكل وأسوةً للجميع لأنها تمتاز عن بشريّةِ الخلقِ أجمعين! وحتى من ينتمي إليه صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله بالقرب والنسب له كِفل من هذه الصفات التي تُعجز العقول وتحير الافهام قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ) . فكيف يكون هو كأحد الرجال وهو القائل "لست كأحدكم"؟!

عصمة النبيّ

لقد تحدث المسلمون بكلّ أسف في عصمة النبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، فمنهم من عارضها استناداً إلى ما جاء في كتب السنة من الأحاديث. وهذا يعني أنّ من عارضها استناداً على ما جاء في الأحاديث الواردة في الصحاح أنّه أعطى هذه المصادر العصمة لأنّه أخذ منها كلّ ما جاء فيها - دون تفكُّر أو تدبُّر- حتى لو كان فيها ما ينتقص من القدر النبوي الشريف!! فالطعن في العصمة إذاً جاء من قِبَل إعطاء العصمة للمصادر التي جحدتها وقبول كلّ ما فيها، وعدم قبول الطعن فيها- وهذا أمر يرفضه الشرع لأنّ العصمة لا تكون إلا لرسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله - كأنما خير للمرء عند هؤلاء أن يطعن في عصمة النبي استناداً على ما ورد في كتابي البخاري ومسلم حتى يُقال إنه عالم بالسنّة حافظ للأحاديث الصحيحة، ولا يطعن في صحّة ما جاء في هذين الكتابين، ولو كان فيهما طعن في عصمة النبي التي جاء بها محكم القرآن:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) ...... (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ...... (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) ...... (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ... (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). فالطعن في عصمة النبي هو في الحقيقة سلبُها عنه، وإعطاؤها للمصادر التي أُخذ منها ذلك الطعن رغم قولهم "كلّ ابن أنثى يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"
ولا تعني عصمة النبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله أنّه لا يخطئ، فالذي لا يخطئ هو الذي يتبع طريقا، فإن اتبع الطريق بحذافيره فذلك الذي يقال له معصوم لا يخطئ. أما محمد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله فهو الذي يخط الطريق الذي يتبعه من يخطئ أو لا يخطئ، لذلك لا يجوز الحكم على النبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله في فعله أو قوله ممن هم دونه من الخلق ولا يجوز مقارنة فعله بفعل غيره لعدم المناسبة. فعصمته تعني فعله ﴿...إنْ أتبعُ إلَّا مَا يوحَىٰ إليَّ...﴾ لأنه حق. وبما أنّ البعثة الخاتمة يجب أن تكون تبيانا لما سبق وأكثر وضوحا كان لا بد من توضيح هذا الدين الذي هو الأخلاق بمثال حسّي، حتى يعرفه، بل ويراه بعيني رأسه من عجز عقله عن استيعابه (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ).

رسالة تشريف لا تكليف

يقول الشيخ النيل ابوقرون : "... وبجلالك يا قدوس صلّ وبارك على حبيبك، خير خلقك على الإطلاق، من اصطفيته و أحببته ومدحته بعظيم الأخلاق، بشهادة منك لا أعلى منها، بخطاب مباشر ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . وبعثته ليتمّم صالح الأخلاق، وهو صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله تجسيد لها، وخصصته بالرسالة الخاتمة تشريفاً لا تكليفاً، حتى قلت له ﴿... لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ...﴾ كما جاء في محكم تنزيلك وأكّدت ذلك بشريف عاطر وحيك ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ . فلم تكن الرسالة إلا البلاغ. إذ لو كان هناك تكليف إضافة على البلاغ لكان عناءً، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ...﴾ . وكنت أنت وكيلا عنه فيها تهدي من تشاء، فلم تكلفه حتى عناء الهداية إذ أوحيت إليه ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ...﴾ وبيّنت في محكم قولك له ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وقلت له ﴿... فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...﴾ كي لا يُشقي نفسه بغير البلاغ وأوضحت له بصريح قولك ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...﴾ رغم أنك جعلت رميَه رميَك ﴿... وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ...﴾ وبيعته بيعتك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ...﴾ وطاعته طاعتك ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ...﴾ . وليس هناك حب ولطف أكثر من أن تجعل فعله فعلك ثم تتولى هداية الخلق ولا تجعل له من الأمر شيئاً غير البلاغ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ .

الحبّ هو الإيمان

جاء في الحديث القدسي في حرمة الولي وعلاقته بربه عز وجل: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " رواه البخاري. هذا حال العبد المتبع لرسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، امتثالا لأمر الله عز وجل: " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ، ولذا قيل أنّ منتهى مقام الحب هو الفناء في المحبوب فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها وهو قمة غاية العارفين، وقد قال البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام "سبحاني ما أعظم شأني". فمن حرمة مثل هذا الولي أن من عاداه فقد آذنه الله بالحرب، فكيف بحرمة رسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله؟! أما إذا كان في هذا المقام شهادة من الله سبحانه للعبد فهي غاية الغايات ولم تكن إلا لمحمد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله فقد شهد الله سبحانه له بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...﴾. ورغم ذلك لم يقل "سبحاني ما أعظم شأني" لوسعه" .
وقال رسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين" . فأحباب النبي هم إخوانه الذين قال عنهم "وددت أنا قد أرينا إخواننا..." لأنهم ينظرون بنور الله. وكان منهم في زمنه علي عليه السلام حيث قال له صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله "أنت أخي في الدنيا والآخرة" فنظروا إلى من يُخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، الذي يؤمن للمؤمنين فكان محمد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله ببلاغه المبين وخلقه العظيم؛ فامتلأت قلوبهم بمحبته، ليكونوا ممن اوتوا كفلين من الرحمة، ويكونوا من اهل النور، ومن الذين يصلي عليهم رسول الله ﴿... وَصَلِّ عَليْهِمْ ۖ إنَّ صَلَاتكَ سَكَنٌ لهُمْ...﴾ .
ومن علم أنّ الله سبحانه يحبّ رسوله محمداً صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله ولم يقع حب محمد في قلبه فليعلم أنّه بعيد كل البعد عن الإيمان، وأنّه من أولئك الذين قالوا آمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم. وليراجع نفسه، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وليعلم أنّ الحب إحساس يختلج في القلب ولا يفارق العقل، فالمحبون هم من فاضت أعينهم من الدمع ولازمها السهاد فوصفهم البارئ سبحانه مادحاً إياهم بقوله ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ . قال أحد الشعراء:
جهد الصبابة أن تكون كما أُرى عين مسهّدةٌ وقلب يخفق
فالحب مانع عن رؤية خطأ عند المحبوب ومحال أن يكون المحب ناقداً لحبيبه بل الحب يوجب مدح المحبوب في شخصه وخلقه وأخلاقه وأفعاله وقد مدح الله سبحانه محمداً قائلاً ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فمن كره المدح كره المادح وكره الممدوح وقد قيل:
إنّ المحب وإن ذابت حشاشته يهوى الحبيب ويهوى كلّ ما فعلا
وقيل:
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
فالطاعة والاتباع هي من تبعات الحب وليست هي الحب كما ظنّ من جهل وفسر الحب بذلك. فالحب يعمي ويصمّ كما جاء في الحديث.

المرجعية

إنّ الذي جاء بالرسالة لا يمكن أن يكون إلا مَثلَهَا الأعلى، ولا يرُى كمالهُا إلا منه، ولا يفُسَّر ما غَمُض منها إلا بفعله أو قوله، ومُحال أن يكون غيره أعرف منه بشيء منها صَغُر أو كَبرُ، فلا يؤخذ تفسيرٌ أو تأويلٌ من أي أحد فيما بعِث وأرُسِل به صاحب الرسالة أثناء وجوده. وفي حضرة صاحب الرسالة المعظم لا يحق لامرئ أن يفسِّر أو يؤول القرآن، أو يتهم الرسول في صحة علاقته بربه. والقول بغير ذلك اتهِّامٌ لصاحب الرسالة المعظمّ في أدائه لها بنقصٍ في العلم أو خطأٍ في السلوك، وذلك يعني أنه ليس هو المرجعيةّ فيما أرُسِل به من ربِّه!! وهو أقرب لقول القائلين ﴿لَسْتَ مُرْسَلاَ﴾ . وتنتفي بذلك المرجعيةّ في الدين، لأنه لن يكون لها ضابط، إذ أن الضابط هو علاقة الرسول بالمُرسِل. أما غيره فلا يوجد لديه ما يَستنَدُ إليه على صحّة ما يدّعيه إلا إذا كان شريكاً في الرسالة فيستند إلى المصدر نفسه، وهذا مُحال. فالله سبحانه قد اختار رسوله المكرّم وفضّله على غيره، ولا شريك له فيما بعَثهَ به ولا أفضل منه، ولا يماثله بشر ليصُحِّحه فيما بعِث به. وأسنَدَ إليه الأمرَ كُلهّ - قال تعالى ﴿... فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾. كما أنه يستحيل أن يستند غيره في ما يدعيه إلى من أرسَل الرسول أو إلى الرسالة، دون أن يكون شريكاً في الرسالة وهو المحال لأن ذلك يعني الشك في علاقة المُرسَل بمن أرسله، وأنه ليس هو الأفضل عنده في القيام بهذه الرسالة، وهو الشك في اختيار الله للأفضل لأداء رسالته!! كما أن الغير نفسه - بعد الإيمان- مُطالبَ بالإتباع للنبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله من قبِلَ المُرسِل لا بمنازعته التي تحبط الأعمال ولو بمجرد رفع الصوت، فالإيمان بالرسول صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، والقبول بكل ما يقول ويفعل، والتسليم الكامل، هو مَطلبَ الحق من عباده الذين آمنوا؛ قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ..﴾ لأن الرسول هو الذي يخُرِج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور. قال تعالى ﴿رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . ولا يدانيه في علمه وعقله وفضله وأخلاقه أحد فهو أشرف الخَلق وأكرمهم عند الله.
انطلاقاً من هذا، فإنه لا يوجد مجال لمقارنة فعل النبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله أو قوله، بفعل أو قول شخص آخر لرؤية أيهما أفضل!! فإنّ الذي اختاره الله لأداء رسالته لا يمكن أن يوجد من يوازيه أو يدانيه في فعل أو قول أو خَلق أو خُلقُ أو علم، فلا يوجد مجال لمُقارنة أصلا ً. فإن وُجِد أثرٌ يقول بغير ذلك، فقد وجب النظر في هذا الأثر المريب، والبحث والتدقيق لمعرفة الدسّ وسوء القصد وإبطاله، لاتقاء الهلاك من الوقوع في القدر الشريف. ولا يمكن أن تغُمَض عليه الأعينُ بحجة أن هذا ما وجَدْنا عليه السَّلفَ. وليس كل ما كان عليه السَّلفَ محموداً. ولو كان السَّلفَ لا يخُطئون لما احتاجت الأمم إلى إرسال الرُّسل تترا. فالتقديس لما عليه السلف وإعطاؤه العصمة، وتحريم نقده ورفض تغيير ما لا يصلح منه إلغاءٌ للعقل، وتحجير على الله بوقف فضله عليهم. فمن هذا الذي حَكَم على الله وأفتى بأنّ فضل الله وعطاءه انتهى عند السلف ولم يبق له شيء ؟ ولا عِبرة بما كان عليه السلف إذا جاءوا بما يخُالف كتاب الله وعصمة الرسل صلوات الله عليهم، فالفهم غير مقدّس والسلف ليسوا معصومين.
والرسول صلى الله وبارك عليه وآله هو مدينة العلم. ومدينة العلم هو منبع العلم؛ قالت عائشة (رض) إنَّ النبي صلى الله وبارك عليه وآله كان "يذكر الله في كل أحيانه" وعليه فإن الله ذاكره في كل أحواله لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ...﴾ فهو الذَّاكرُ والمَذكورُ وهو الذِّكر أيضاً؛ قال تعالى: ﴿..ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّـهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ...﴾ . فبيَّنتَ يا رب لنا بذلك المرجعية، وألزَمتَنا بالإتباع له فيما فوَّضتَه فيه، حيث قُلتَ وقولك الحقِ: ﴿..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا...﴾ ، ولم يقل (ما اتيتكم فخذوه). فبالتسليم إليه كما أمرت يُلتَمَس الطريق المنجي والسلامة من العدو، إذ قلت آمراً في محكم تنزيلك تَلَطُّفاً بنا ﴿..وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
وقـال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ِلتصبح مخالفته صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله مقرونة بالمصائب والفتن والعذاب الأليم ذلك لأنه جعل طاعته طاعته حيث قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ...﴾ وبذلك أصبحت الأمة كلها محالة من الله إلى الرسول صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله لإتباعه وطاعته والأخذ عنه ووجوب عدم مخالفته لأن معصيته معصية الله. وبهذا تكون المرجعيةَّ للمسلمين هي الرسول صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله في الدنيا وكذلك في الآخرة حيث جعل الله سبحانه وتعالى الأمر للنبي صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله دون بقيةّ الرسل. فهو الذي ينتهي إليه أمر الخلائق ليشفع لهم عند الله سبحانه بشفاعته الكبرى ليقضي بينهم كما ينتهي إليه أمر أهل الكبائر من أمَّته بشفاعته الخاصة ليحول بينهم وبين النار ويدخلهم الجنـّة.


تبيان الرسالة

قال تعالى: "مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.." وبما أنّ رسالته صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله خاتمة لما سبق، كان لا بد من أن تمتاز بأشياء، لضرورة الحاجة إليها. فقال تعالى ﴿وَمَا أنْزلنا عَليْكَ الكِتابَ إلَّاَ لِتبَينَ لهُمُ الذِي اخْتَلفُوا فيهِ...﴾ . وبالتدقيق والبحث عن لماذا بعِث محمد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله - وهذا سؤال يجب على كل مسلم الوقوف عنده والتدبُّر فيه - فإنك لا تجد تبيانا أكثر مما ذكره هو صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله حيث قال" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" وهذا يعني أنّ الرسل السابقين عليهم السلام كانت رسالتهم واحدة وهي لإقامة مجتمع يتوفر فيه صالح الأخلاق، لأنّ الأخلاق من الثوابت، فإذا توفرت في المجتمع ساد فيه السلام وحصلت السعادة المرجوة، فكانت الرسالة الخاتمة لتتمم ذلك. ولأنّ الأخلاق هي محور الدين قال صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله" أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" وقال" إّن المرء ليبلغ بحسن الخلق مرتبة الصائم القائم" . وبما أنّ البعثة الخاتمة يجب أن تكون تبيانا لما سبق وأكثر وضوحا كان لابد من توضيح هذا الدين الذي هو الأخلاق بمثال حسّي؛ حتى يعرفه، بل ويراه بعيني رأسه، من عجز عقله عن استيعابه. فجاء التوضيح الإلهي ليبين للناس أنّ شمول الأخلاق وكمالها وعظمتها في من أرسله خاتما لأنبيائه، فمدحه بها، ليعرف الناس، بل ليرى الناس الحق والأخلاق العظيمة مجسّدة مرئية في الذات الشريفة المحمدية لأنّ الحق لا يرى مجرداً عن المادة! ﴿... وَشَهِدُوا أنَّ الرسُولَ حَقٌّ...﴾ ! فمحمد رسول الله صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله هو حقّ وهو الدين وهو الأخلاق العظيمة. قال تعالى ﴿وَإنكَ لعَلَىٰ خُلقٍ عَظِيمٍ ﴾ .