أملأ لحظات الإنتظار بالصلاة على النبي

صدر عن اونيكس البريطانيه والمؤسسة العربية للدراسات والنشر

image

 كتاب (بنو اسرائيل في بلاد كوش) للشيخ النيل ابوقرون

قراءة في الادوات البحثية قبل الخلاصات المعرفية الكبري

التأشير لقياس دقة الادوات البحثية عند مولانا النيل ابوقرون بصورة حاسمة ظهرت دلالاتها المبكرة عندما فاز بحثه وهو لايزال طالب في جامعة الخرطوم بجائزة السلمابي  في ستينيات القرن الماضي،  ومع تطور وسائل ومناهج البحث العلمية عالميا لتشمل ما استجد فيها من ادوات كالعلوم المعملية مثل بحوث الحمض النووي ومعارف حديثة كالابحاث اللغوية اوما استجد من كشوفات اثرية لاهل التخصص والدراسات التاريخية ،فأن ذات ادوته البحثية بمرور السنوات مع التراكمات المعرفية المختلفة وشمولياتها ظلت تثبت في كل مرة جودة منتوجاتها المعرفية بصورة تثير الاهتمام وردود الافعال مع تنوع حفرياتها  وفق مرجعية بحثية محددة و منهج معرفي علمي الادوات وهو لعمري ما يصنع الفرق تقدما للامام.

قبل 10 سنوات صدر للمؤلف عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب  "نبي من بلاد السودان" والذي كان بمثابة القاء حجر علي سطح البحيرة الساكن فسرعان ماتوالت ردود الافعال والمؤلفات من اخرين تزامنا مع اكتشافات اثرية ونتائج بحوث معملية وفي اتجاه خلاصاته البحثية، وكنت قد كتبت لموقع ثقافات – من اكبر المواقع العربية الثقافية-  في العام 2015 موضحا أن الشيخ النيل عبد القادر أبوقرون باصداره لكتابه القيّم ( نبيّ من بلاد السودان ) في العام 2011 كأني به قد استبصر مقبل الأحداث وهو ما يشغل الساحه الآن محليا واقليميا ودوليا، والذي ذكر فيه معلومات تاريخية (جديدة) عن تاريخ السودان القديم، وكان من ضمن ما سطر معلومة تمثل حدثاً في غاية الأهمية وهي هيمنة كوش على مصر والسودان فيما يعرف بعصر الانتقال الثاني بمصر 1786ق.م.-1567ق.م.- الاسرات13-17 والتي لم يسبق لأي باحث في التاريخ القديم لوادي النيل أن ذكر أو توصل لمثل هذه المعلومة  فقد ساد الاعتقاد بأنّ الهيمنة الكوشية لبلاد مصر كانت  فقط في القرن الثامن ق.م متمثلاً في الأسرة الخامسة والعشرين التي حكمت مصر لأكثر من قرن تقريبا، أما قبل ذلك وفيما يعرف بعصر الانتقال الثاني وهي فترة هيمنة الهكسوس على منطقة الدلتا بمصر  فيأتي فيها ذكر كوش بمثابة المهدد لأمن جنوب مصر حيث لم يتعد الحدود الجنوبية لأسوان، وهو ما اثبتته الدراسات مؤخرا في منطقة الكاب بالقرب من الاقصر وتحديدا شمال ادفو باكتشاف نصا بالخط الهيروغليفي في احدي المقابر مما يؤكد الامتداد الكوشي علي مصر في هذا الزمن تحديدا، وهو يؤكد اثريا ما ذكره الشيخ النيل أبوقرون في بحثه  ، وهي هيمنة كوش على مصر خلال هذه الفترة التاريخية وهكذا يكون ما ذكره الشيخ النيل ابوقرون في كتابه المشار إليه معلومة جديدة، وهي هيمنة كوش على مصر خلال هذه الفترة التاريخية.

اليوم و بعد 10 اعوام من ذلك الكتاب والجهد البحثي المعرفي يقدم الشيخ النيل ابوقرون خلاصات معرفية جديدة تمثل (زلزالا معرفيا) بصدور كتابه الجديد "بنو اسرائيل في ارض كوش" الصادر هذا الشهر  في نشر مشترك لاونيكس البريطانيه  و المؤسسة العربية للدراسات والنشر وقد تيسر لي الاطلاع علي هذا الجهد البحثي الكبير، ليقدم بذات الصبر الدووب وتراكمية التجربة والادوات المعرفية منتوج معرفي شامل وغير مسبوق  وذلك لتعدد مسارات البحث وانواعها وصولا  لخلاصات ستغير المنظومة المعرفية باكملها وتبيان تقاطعات السلطان والجغرافيا والدين علي (مواضع الكلم) وهو ما ذكرته بداية عن اهمية شمولية المناهج البحثية لاستصحاب تخصصات متنوعة وهو ما افرد له المؤلف مساحه مقدرة في مقدمة الكتاب.

فمقدمة الكتاب تمثل لحالها ورقة علمية عالية القيمة بين فيها باستفاضة  المنهج البحثي وهو تقديم ضروري مطلوب ومفيد لاهل التخصصات وينبغي لكل باحث او قاري ان يقرأها بعناية كاملة باعتبار ان موضوع قصص الانبياء واممهم هو التاريخ الاكثر تاثيرا علي حياة البشرية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، والتي اوضح فيها : ان المصدر الاساسي لهذه المعلومات هو التدبر والتأمل العميق في القران الكريم من منظورين: ايماني بكتابات المؤلف في كل المعارف القرانية، ومنظور انساني في القصص القرانية والسلوك الانساني، فالقران يخاطب الناس كافة من امن به ومن رفضه والتدبر دائما عند الشيخ النيل ابوقرون محكوم بالقاعدة التي بني عليها كل مؤلفاته (ان النص القراني الهي مقدس وان الفهم لهذا النص بشري وغير مقدس يحتمل الصواب والخطأ) وعلاقة الانسان بالقران وصفها الله (الم ذلك الكتاب لاريب فيه هدي للمتقين الذين يؤمنون بالغيب..) وهو يشمل ما فيه من المعرفة وانها حقائق لاشك فيها وكلّها حقّ لا يأتيه الباطل من حيث مصدره وبذلك فهو فوق أساليب نقد المصدر في المعارف الإنسانية إلا نقد ما فهمه الناس من المصدر.

ويواصل الشيخ ابوقرون في مقدمة الكتاب ان القرآن كتاب جامع ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾  حوى الكثير من قصص الأولين بالتفصيل أحياناً وبالإشارة أحياناً وعليه إنّ النص القرآني، كمصدر للمعلومة التاريخية، فوق مباحث نقد المصدر لأنّه سابق لها، فلا يمكن إخضاع نصه للمصطلحات المتبعة عند الباحثين في الدراسات التاريخية المعاصرة إلا إذا أستنبطت منه المعلومة بمنهج دقيق. فقد جاء فيه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ...﴾  والقصة القرآنية تمتاز بالواقعية أي بحدوثها في الواقع في زمان ومكان معينين، وبها شخصيات حقيقية لها أدوار في أحداثها. ووصفُها بالحسن لا تكتمل صورته إلا بمعرفة زمانها ومكانها وتسلسل أحداثها والعبر القيمة المستفادة منها.ويجتهد في البناء الترتيلي لايات القران وهو ما يميز هذا الكتاب المتفرد وهي المنهجية الترتيلية وذلك بجمع المعلومات الخاصة بموضوع البحث في رتل ، ويشرح معني الترتيل المطلوب قرانيا أي نسَقٍ محدّد من آيات في سور مختلفة تتناول الموضوع نفسه ويتشكل من خلالها بناء المعرفة بجانب الافاضات الجانبيه فمنها ما يرد في جمل أو فقرات ضمن الرتل المعرفي ، ومنها ما يرد في رؤوس مواضيع ذات صلة بيانية به. وهذه الإفاضات قد تأتي من قبيل التماثل أو التناقض أو الإسقاط أو التناظر أو الإسهاب، ويتم فقط نسجها توضيحاً لتكاملية المنهجية للتأكيد على المعلومة وإثبات صحتها من زوايا مختلفة دون الحيد عن مسار الترتيل.

ويواصل التقديم ويقول : ان شمولية منهج هذا البحث وتعدد ادواته شملت كذلك النظر في كتب الأوّلين لما فيها من أخبار جاء بها القرآن أيضاً، كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، وقوله في نبي الله موسى عليه السلام: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ...﴾ . ولا بدّ من مراعاة قاعدة المدخل أعلاه، فقراءة المترجَم من تلك الكتب تؤخذ بحذر شديد، لأن ترجمة النص المقدس هي محدودة في فهم من ترجمه. ومن مصادر البحث الاخري كذلك النظر في ما توصل إليه علم الآثار في كلّ قصة ومبحث، كما أمر الله سبحانه في قوله الكريم: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ...﴾ ، مع توخي الحذر أيضاً لتجنب القصور المحتمل في أساليب البحث في مصادر التاريخ للوصول إلى الحقيقة، أو التلاعب فيها حسب نوايا بعض الباحثين وأهوائهم مما يتطلب إعادة النظر في تحليل الأثر التاريخي وإستنباط المعلومة منه. وهناك خطر أعظم على الحقيقة يكمن في التأثير السلبي على المعرفة والثقافة وتدوين التاريخ قديماً وحديثاً، من قبل الأنظمة العقدية والفكرية والسياسية التي تسعى للتسلط على الموارد البشرية والإقتصادية، مما يستوجب على الباحث في التراث الإنساني إتباع منهج حاذق لنقد المصدر، لتنقيته من الشوائب قبل أخذه في الإعتبار والبناء عليه. ومثل هذا المنهج قد يكون الأقرب لتوثيق حقائق المعارف الإنسانية مقارنة بمناهج الفلسفة في العلوم الإنسانية والتجريبية.

وخلاصة الشيخ النيل أن الكتب السماوية في أصلها ويكرر- في أصلها- تتفق في المصدر والمصداقية والصلاحية ووحدة الرسالة، فلا بد أن تكون متكاملة في معارفها ومؤيدة ومبينة لبعضها، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾   فالشعائر التعبدية وبعض الشرائع قد تختلف بين الأنبياء والرسل عليهم السلام حسب مكان الرسالة وزمنها، ولكن يبقى منهج الأخلاق والحقائق التاريخية من الثوابت التي يمكن ضبطها بمقارنة النصوص عبر الكتب السماوية التي تقدِّس الأنبياء ولا تطعن في أخلاقهم فكان هذا هو الاسلوب في الرجوع إلى الكتاب المقدس كمصدر للمعلومة في موضوع هذا الكتاب.

المنهجية الترتيلية التي اشارنا اليها عند الشيخ ابوقرون تركز علي معرفة السياق وهو (مواضع الكلم) كما في الاية﴿...يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ . الذي يشمل سياق المعنى، والسياق التاريخي أي الإنسان والزمان والمكان المرتبط بالنص المقدس. ومعرفة السياق مطلوبة لتبيين النص فبها يتنزّل النص في مواضعه فلا يحتاج إلى تفسير أو تأويل. والقصة القرآنية تمتاز بالواقعية لما بها من شخصيات حقيقية لها أدوار في أحداثها لكن لا تكتمل إلا بمعرفة زمانها ومكانها وتسلسل أحداثها. ويمثل كتاب (بنو اسرائيل في ارض كوش) تحقيق مواضع الكلم لترسيم مسرح الأحداث بمحددات أو نقاط مرجعية في نص القرآن أو الكتاب المقدس، وقد تكون النقطة المرجعية إشارة لفترة زمنية كفترة تيه بني إسرائيل بعد الخروج التي اتفق القرآن والكتاب المقدس على أنها أربعين سنة، أو قد تكون إسماً لمكان مثل جبل تكليم الله عز وجل لموسى عليه السلام المعروف في الكتاب المقدس والقرآن بطور سيناء. ومن هنا تأتي أهمية النظر في التاريخ القديم لكلّ حوض النيل خاصة تاريخ الفراعنة والدراسات التاريخية التي تناولت الكتاب المقدس وهي دراسة تشمل الاثار ومدونات الحضارات المعاصرة للحقب التاريخية وكتابات الرحالة اليونان والرومان والكتب المقدسة(التوراة والقران) ويخلص علماء التاريخ ان الاثار هي اصدق وادق المصادر لكتابته.

والاستدراك الاهم لمولانا النيل ابوقرون في مقدمته الضافية لكتاب (بنو اسرائيل في ارض كوش) كانت في ماخلص اليه في خطورة وحساسية الربط بالنص الديني كان لا بد من التعرف أولا على مصداقية المعلومة وثباتها وتأكيده انه علي الرغم من أهمية الآثار وغزارة التاريخ المستنبط منها، إلا أنّ العلماء ينوهون أنه لا يمكن للباحث المدقق أن يأخذ بكل ما سجل عليها كحقيقة مسلم بها وذلك لأنّ الفراعنة لم يكتبوا بقصد تسجيل الأحداث التاريخية بمفهومنا الحالي فجاء بعض ما سجلوه غير معِّبر عن الحقيقة وضرب امثلة في ذلك مثل  لا توجد في هذه المصادر ولا في التاريخ المستنبط منها إشارة واحدة إلى تاريخ أنبياء بني إسرائيل! فلا ذكر لإسم نبي الله موسى عليه السلام ولا الفرعون الذي كان جزءً فاعلاً في سيرته او أكبر الأحداث في تاريخ بني إسرائيل من دخولهم لمصر في زمن نبي الله يعقوب وإبنه يوسف عليهما السلام، وتحدي موسى عليه السلام للفرعون، وسني الإبتلاءات التسعة لآل فرعون وأهل مملكته إلى خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل منها وغرق آل فرعون وجنده!!  وليس أمام الباحث من طريق سوى عقد مقارنة موضوعية ليتوصل إلى الحقيقة أو ما يقترب منها.

اما الانتباهة الاساس قبل المبحث هي الحفريات المعرفية في تفكيك المصطلحات وتحريرها بداية قبل إعمال منهجيته الترتيلية لايات القران حتي يستقيم الرتل المعرفي عندما يوضح الفرق بين "بنو اسرائيل" ، "الذين هادوا" و "اليهود" ، ويعيد من تاه في أمر التفريق  بين الرسل والرسالات، والتفضيل بينهم، وظنّون أنّ التفضيل يلغي الاشتراك في الأصل بين الفاضل والمفضول، مبينا جهل الحكم ببطلان المفضول وعدم قيمته ومفارقته للأفضل وفتوي بطلان التوارة والانجيل  التي توضح النقص المعرفي جهلاً بكتاب الله سبحانه.

بصدور هذا الكتاب يتضح اننا امام منتجات معرفية متنوعة متكاملة البناء تستند علي مرجعية واحدة وتهتدي بمقصد اساسها  مرجعية اخلاق النبوة في كل الرسالات السماوية وصولا الي قمتها الممدوحة بعظيمها في الرسالة الخاتمة الشاملة لها جميعها ،وإن كانت المؤلفات السابقة لمولانا ابوقرون متوزعه مابين حدائق معرفية مختلفة الا انها ظلت جميعها معتصمة بذات المراجعية مع التأكيد عليها علي الدوام  من زوايا متعددة في كل مرة ذات الفكرة من زاوية اخري للبناء  تثبيتا للفهم وتأكيدا عليه وهذا ما يجب الانتباه له وتعمق في هذا الكتاب منهجية الترتيل ذات الرباط المحكم في كل الاتجاهات  متسقا مع ماسبق وصدر من حدائق معرفيه مؤكدة عليها كانها بنيان مرصوص في جهد بحثي منقطع النظير وفي سبر اغوار الحقيقة واستشرافها خاصة ان تغييبها ومحاربتها كانت منذ فجر كل الرسالات حتي اليوم.