أملأ لحظات الإنتظار بالصلاة على النبي

الرؤية المعرفية للشيخ النيّل أبوقرون في وحدة الدين وتعدد الرسالات السماوية : الرسالة المحمدية وتمام الهدي الحافظ لدين الأخلاق

image
هل أرسل الله أكثر من دين ؟

أرسل الله تعالى الرسل بدين واحد منذ آدم عليه السلام إلى مُحمّد صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، وأطلق على هذا الدين اسم "الإسلام". ففي الحقيقة لا يوجد إلا دين واحد، ولكن برسالات مُتعدّدة نزل بها الأنبياء حسب أحوال الأمم السابقة، وطبيعة الرسالة الموجهة إليهم. لهذا، لا يمكن القول بوجود أكثر من دين مُعترف به نزل من عند الله تعالى؛ فالله سُبحانه واحدٌ أحدٌ، ودينه واحدٌ، جوهره ثابت لا يتبدَّل وهو "صالح الأخلاق". بناءً على ذلك، فإن الإسلام ليس حِكراً على أصحاب الرسالة المُحمَّدية الخاتمة وحدهم، بل إن كلُّ من سبقهم من أصحاب الرسالات السماويَّة كانوا يدينون بالإسلام، وهذا جليٌّ بالنَصوص الصَّريحة الَّتي أوردها الله تعالى في القرآن الكريم.

و"الإسلام" في مفهومه العميق يعني التسليم التَّام، أي القبول الصَّريح وعن طيب خاطرٍ وقناعةٍ تامَّة بهذا الدّين، والقيام بتعاليمه الأخلاقية وما أورده من عبادات تجعل الإنسان مسلماً؛ فيسلم الناس من أذى طويّته ولسانه ويده. وبتوفر هذا السلام، يصير العبد مؤمناً، أي محبَّاً لله ورسوله، فيأمن في الدنيا والآخرة، ويأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم.

إن هذا الدّين يأتي عن طريق الرسل الكرام، وجوهره ثابت وواحد كما أسلفنا، وربَّما اختلف تعاليمه في العبادات والمعاملات قليلاً من رسالة إلى أخرى، حسب ما يوحي الله تعالى به للرسل من شرائع؛ والشرائع هي قانون كل رسالة سماوية، وهو المشار اليه بالحكم للتحاكم الطوعي القانوني تنظيماً لمجتمعاتهم ، تفرضها الظروف المختلفة لكلّ قوم، وطبيعتهم الَّتي نشأوا عليها، والجُغرافيا التي تأويهم. وقد أخبر الله سبحانه في محكم تنزيله بأنَّ الدّين الذي جاء به نوح عليه السلام هو دين الإسلام، وكذلك إبراهيم، وموسى، وعيسى، وكلّ الأنبياء عليهم السلام. أما الاختلافات التي نراها اليوم بين أصحاب هذه الرسالات المُتعدّدة ذات الجوهر الواحد، فهي بسبب ما قام به أتباع كلّ نبيّ—ممَّن لم يكن الإيمان قد تمكَّن في قلوبهم—من إضاعة لهذا الدّين، وتحريفه عن منهجه القويم، واتّباع الشهوات، مما أدى إلى اتساع الفجوة؛ ولهذا كان يأتي كلُّ نبيّ ليذكر قومه برسالة أخيه الذي سبقه، ويعيد الناس إلى الصّراط المستقيم الذي ضلّوا عنه.

ما هي رسالة الإسلام المُحمَّدي؟

وفي هذا السياق، جاءت الرسالات السابقة لأقوام محدَّدين، وضمن ظروف معيَّنة، وفي جغرافيا معلومة. ولم يذكر القرآن الكريم كلَّ أصحاب الرسالات بل أشار إلى بعضهم فقط. وقد جاءت بعض هذه الرسالات لتصحيح ما سبقها بعد أن ساهم الأتباع في تحريفها عن مقاصدها الأصليَّة؛ فالرسالة المُوسويّة إلى فرعون، على سبيل المثال، كانت من أجل إخراج بني إسرائيل من المنطقة التي كانوا يعيشون فيها تحت ظلمه، وتخليصهم من العبودية بشكل أساسي، وبعد تحقيق ذلك تُعرض عليهم تفاصيل الرسالة من الإيمان بالله، ومنهج الأخلاق في المعاملات والتشريعات التي تحفظ الحقوق. وبالنسبة لرسالة نبيّ الله لوط عليه السلام، فقد جاءت من أجل تطهير قومه من الفواحش في أعمالهم، التي لم يسبقهم إليها أحدٌ من العالمين، وكانت أيضاً ضمن جغرافيا محدَّدة. أما الرسالة العيسوية، فقد جاءت لتصحيح ما انحرف به أصحاب الرسالة الموسويَّة من غلوّ في الدين، وهكذا تتابعت الرسالات التصحيحية.

أما الرسالة المُحمَّدية، فقد تميزت بأنها جاءت للنَّاس كافَّة، ورحمة للعالمين، لتكون خاتمة لكلّ الرسالات السابقة، ومُصحّحة لبعض ما بدّل أصحابها، ومُتمّمةً لهدي دين الأخلاق الذي أتى به كلُّ الرُسل عليهم السلام. وبالتالي، فهي رسالة مُهيمنة؛ أي شاملة وحافظة لما سبقها، إذ تحتوي على جوهر الدّين نفسه، وجاءت ذات تعاليم ميسَّرة ومُعتدلة في العبادات والمعاملات، هدفها نشر صالح الأخلاق في العالم أجمع، ومعرفة الله، ونبذ الشرك والكفر. كما تتولى الرسالة المحمدية مهمة التصحيح بلاغاً بالتبدُّلات التي قام بها أتباع الرسالات السابقة من تحوير وتبديل للكلم عن مواضعه، وإضافة ما ليس في الدين نفسه. لهذا السبب، أقرّت هذه الرسالة الخاتمة برسالات الأنبياء السابقين وكتبهم، وجعلت الإيمان بهم ركناً أساسياً؛ فكلُّ من آمن برسوله واتَّبع الكتاب المنزّل على هذا الرسول فهو "مسلم"، وكلّ ما عدا ذلك يحتاج إلى الدخول في الإسلام بنسخته الأخيرة وبرسوله الخاتم، لأنَّه ينبع من ذات النبع النُّوراني الذي لا يخفى على كلّ مؤمنٍ من أيّ مِلَّة أو رسالة.

وقد رسخت الرسالة المُحمَّديَّة مبدأً أساسياً؛ وهو أنَّ الإيمان يجب أن يتمّ عن قناعة وتسليم لا عن نفاقٍ أو مداهنةٍ أو إكراه. لهذا، انحصر دور الرسول في "البلاغ" فقط، وتُرك للناس حرية القبول أو الرفض بكلّ حريّة. ومن يقبل بهذه الرسالة، فعليه التزام قبول تعاليمها في المعاملات والعبادات وفقاً لما ورد في القرآن الكريم، أو ما ورد من سنَّة النبيّ العظيم المضبوطة مرجعيةً بالقرآن العظيم، مع الإيمان التام بعصمة النبي الخاتم وإخوانه الأنبياء عليهم السلام في أممهم، إذ ان ذلك هو السبيل الوحيد للنهل من صافي نبع الدين الواحد.

المكتب الاعلامي لفضيلة الشيخ
بريطانيا/ السودان