أملأ لحظات الإنتظار بالصلاة على النبي

الرؤية المعرفية لمنهجية الشيخ النيّل أبوقرون الترتيلية: المشترك الإنساني وحرية الاعتقاد

image
الإسلام المحمدي ما بين أخوة الدين و أخوة الانسانية

العلاقة مع أصحاب الرسالات السماوية الأخرى

كلُّ من يؤمن بالله تعالى ويتبع رسالة نبيّه وتعاليمه من أصحاب الرسالات السابقة فإنَّ العلاقة التي تجمعه مع أصحاب الرسالة المُحمَّديَّة الخاتمة هي الإيمان بالله ورسله وكتبهم المنزّلة دون تفريق بين أحدٍ من رسله، والتوافق على التعامل بمنهج الأخلاق، وهذه القواسم المشتركة كفيلة بنشر الاحترام والسلام، فلا يجوز إجبار أيُّ أحدٍ من أتباع هذه الرسالات على ترك رسالته لكي يتبع الرسالة المُحمَّدية الخاتمة، ولا يَجوز قتاله، أو تكفيره، ومسألة قبول هذه الرسالة منه أو عدمها هي من حقّ الله تعالى فقط يوم القيامة، وليس لأحدٍ من البشر منح صكوك الغفران، أو الادّعاء بإدخال النَّاس الجنَّة أو جهنّم، وينبغي على أصحاب الرسالة المُحمَّدية الخاتمة أن يكونوا قُدوة للآخرين في أخلاقهم وتعاملهم وإيمانهم، بحيث يساهموا في جذب أصحاب الرسالات الأخرى لمحبَّة نبيّهم والإيمان به، دون مطالبتهم بترك ما هم عليه، وهذا يكون عبر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، أمَّا التكفير والتنفير والعداوة والبغضاء دون أيّ سبب، فقط لمجرد أنَّهم يتّبعون رسالةً أخرى فهذا ليس من الإسلام المُحمَّدي في شيء، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، إذ احترم الذين آمنوا من أهل الكتاب، واستقبلهم في مسجده، وتزوَّج منهم السَّيدتين ماريا القِبطيَّة، وصفيَّة بنت حيي بن أخطب. أمَّا في حالة الاعتداء فقط فإنَّه يتمُّ الردُّ عليهم بالمثل، لا على أساس محاربة دينٍ لدين، بل قوم معتدين لآخرين، فالدّين كما أسلفنا واحد، وربُّ العالمين واحد أحد، والإيمان والكُفر مسألة متروك الحكم فيها لله تعالى، يوم الدّين، وليس للنَّاس في الحياة الدنيا.

لقد أوضح الله تعالى في كتابه القويم طريقة التعامل مع المسلمين من غير المحمّديين مثل "الذين هادوا" و "النصارى" و "الصابئين" وأيضاً مع غير المؤمنين، أي الإخوة في الإنسانية من شتّى الاعتقادات ممن لم يعتدوا عليهم أو يقاتلونهم في الدين من خلال البرّ بهم والمعاملة بالقسط، وهنا يأتي البرّ كحالة عليا من التعامل والمودّة بهم ويذكر هذا ببرّ الوالدين، وأيضاً ضمان أن يكون التعامل معهم بالعدل في الشؤون الحياتية، ومن يفعل ذلك أي ضمان البرّ في المشاعر، والإقساط في التعاملات سوف يضمن حبّ الله تعالى له والذي وعده للمقسطين.

طريقة التَّعامل مع غير  المسلم

وإذا كان الدّين المَقبول عند الله تعالى والمُنجي هو ما جاء به كلّ الرسل، أي "الإسلام"، فإنَّ بعض من لا يقبله قد يتَّخذ الكُفر ديناً له، وقد أوضح الله تعالى في سورة "الكافرون" أنّ الكفر دين. ومع هذه الفئة الرافضة لدين الله القويم يكون التعامل معها البلاغ لهم فقط عبر الحوار معهم، وليس تسليط "السَّيف" على رقابهم، فإن رفضوا فإنَّما أمرهم إلى الله يوم القيامة، فهو عليهم الحسيب الرَّقيب يعرف ما ظهر منهم وما بطن، فإن شاءَ غفر لهم وإن شاء عاقبهم، فهو تعالى لا يسأل عما يفعل، لهذا لا يحقّ لأحدٍ من البشر إكراههم على قبول "الإسلام" أو حسابهم فيما يتعلَّق باعتقادهم، وقد طلب الله تعالى من نبيّه أن يقول لهم "لكم دينكم ولي دين"، فمن شاء منهم دخل في دين الإسلام، ومن شاء بقي على دين الكفر، وهنا يتمُّ التّعامل معهم على الأساس الإنساني، أي أخ بالإنسانية ما دام يرفض أُخوَّة الدّين الواحد. فالله سبحانه خلق الناس من نفس واحدة وخلق منها زوجها وجعل من ذريتهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وكرّمهم ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً. فهناك قواسم مشتركة عظيمة، تعارفت عليها البشرية، وهي كفيلة بأن تجمع كل الناس في أسرة واحدة، وأعظم هذه القواسم مكارم الأخلاق التي لا يخلو منها عُرفٌ أو دين على وجه الأرض، ومنها أيضاً الحريّة التي تجسدت في مبدأ عدم الإكراه في علاقة الإنسان بربه وفي تعامله مع خلقه ما لم يعتد على أحد. لذلك لا تجوز مقاتلة الكافر من أجل إجباره على الإسلام أبداً. أمّا في حالة الاعتداء فهنا يتمّ الردُّ على هذا الاعتداء بمثله، أو عبر تطبيق القانون المعمول به في ذلك المجتمع.

ولو تتبَّعنا ما ورد في سيرة النَّبيّ العظيم من حروب لوجدنا أنَّها كانت حروباً دفاعيّةً وليست غزوات، كما تمّ تصويرها لنا، وحتى في حالة الانتصار الكامل كما في "فتح مكّة" لم يطلب النَّبيُّ صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله من كُفَّار قريش أن يدخلوا في الإسلام أو يجبرهم عليه، ولم يقتل من يرفضه، بل تركهم "طلقاء" منهم من آمن لاحقاً، ومنهم من بقي طليقاً على كفره. لهذا لا توجد عقوبة على المرتدّ عن الإسلام، فهناك حريَّة فكرية يكفلها الدّين، بأن يكون قبوله عن قناعة تامَّة، فإن شاء المُسلم الارتداد عنه فلا عقوبة عليه، ويترك أمره إلى الله تعالى. أمّا ما وصلنا من بعض الأحاديث التي تضع حدّاً للمرتد بأن يقتل، فإنَّها تُعارض صريح القرآن الكريم، وبالتالي لا يؤخذ بها، فقد أوضحنا من قبل أنَّ مثل هذه الأحاديث المنسوبة للنبي العظيم حتى لو وجدت في كُتُب الصّحاح فإنَّها غير مقبولة، لأنَّه لا يمكن للنَّبيّ مخالفة ربّه أبداً. وحتى في حالة تبليغ الكافر بالإسلام وتعريفه به، يجب أن يكون في وضع طبيعي أي دون ضغط عليه يتعلّق بأمنه، أو حالةٍ من الجوع، أو الظروف القاهرة التي تُجبره على القبول بالإسلام بسبب منها وليس عن قناعة، فإنَّ إجارة الكافر واجبة على المسلم حتى يبلغ مأمنه، وحين يصبح في وضع نفسيّ عاديّ يمكن عرض رسالة الإسلام عليه، فإن شاء قبلها وإن شاء رفضها، لا عقاب عليه أبداً.

▪️إعداد المكتب الاعلامي بريطانيا /السودان